السيسي يدعو لتنشيط الأحزاب: مصر تحتاج كوادر وبرامج لا مجرد مقرات
دعا الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل كوادرها، خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الإدارية الجديدة. هذه الدعوة تؤكد حاجة مصر لأحزاب فاعلة ذات تأثير حقيقي، تتجاوز مجرد امتلاك المقرات وإصدار البيانات الإعلامية. الخبراء يفرقون بين نوعين: أحزاب تعتمد على المظهر التنظيمي والنشاط الموسمي، وأخرى تمتلك قواعد شعبية وبرامج واقعية تتواصل مباشرة مع المواطنين.
أحزاب “المقرات والبيانات” مقابل أحزاب “التأثير والكوادر”
الحزب الحقيقي لا يُقاس بمقره أو بياناته الدورية، بل بحضوره الفاعل في المجتمع، وقدرته على المشاركة وتقديم الرؤى والحلول. الأحزاب التي تكتفي بمقر رسمي وإصدار بيانات إعلامية، تركز على المظهر التنظيمي أكثر من بناء حضور مجتمعي فعال. نشاطها غالبًا ما يكون موسميًا مرتبطًا بالانتخابات أو المناسبات السياسية، مما يحد من تأثيرها في قضايا المواطنين.
هذا النوع من الأحزاب يعاني من ضعف التواصل المباشر مع المواطنين ومحدودية الانتشار خارج العاصمة، وقلة تأثيره في الرأي العام وصياغة السياسات العامة.
على النقيض، الحزب الذي يمتلك قواعد وكوادر وبرنامجًا، يبني تنظيمًا قادرًا على الاستمرار والتفاعل مع المجتمع. يستقطب أعضاء من مختلف الفئات، ويحافظ على تواصل مستمر ومباشر لفهم احتياجات المواطنين وتحويلها لأساس في صياغة البرامج.
يحرص هذا الحزب على إعداد كوادر مؤهلة بخبرات في السياسة والاقتصاد والإدارة، مع برامج تدريب مستمرة لإعداد قيادات جديدة. كما يستند إلى برنامج سياسي واضح ورؤية محددة للأولويات الوطنية ومقترحات عملية للقضايا.
لماذا دعوة الرئيس الآن؟
يقول الدكتور محمود السعيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن تصريحات الرئيس تعكس إدراكًا لأهمية الأحزاب كأحد أعمدة أي نظام يسعى لتوسيع المشاركة السياسية وبناء كوادر وطنية. الأحزاب القوية ركيزة لترسيخ الممارسة الديمقراطية وإعداد قيادات جديدة.
وأضاف السعيد أن وجود أحزاب فاعلة يضخ دماء جديدة في الحياة العامة، ويخلق حوارًا جادًا حول القضايا الوطنية، مما يساعد صانع القرار. مسؤولية الأحزاب تمتد لمناقشة السياسات العامة والتفاعل مع احتياجات المواطنين وطرح البدائل.
وأوضح أن الحياة الحزبية في مصر لم تشهد الزخم المطلوب بعد ثورة 30 يونيو، مما انعكس على محدودية الحركة وعدم قيام الكثير من الأحزاب بدورها. المرحلة الحالية فرصة لإعادة إحياء الحياة الحزبية بفاعلية، لتستعيد الأحزاب دورها في تأهيل القيادات ورفع الوعي السياسي.
التحدي الحقيقي ليس في زيادة عدد الأحزاب (التي قاربت 100 حزب بين 2011 و2013 دون تأثير حقيقي لمعظمها)، بل في بناء أحزاب قوية ومؤثرة. امتلاك المقر والهيكل التنظيمي هو الحد الأدنى، لكن فعالية الأحزاب تقاس بالكوادر المؤهلة والرؤية الواضحة والبرامج القابلة للتنفيذ وقدرتها على التفاعل مع المواطنين.
الحزب الجاد يضم كوادر متخصصة في الاقتصاد والإدارة والتعليم والصحة والسياسة الخارجية لتقديم رؤى علمية ومقترحات عملية. كما يجب أن تمتلك الأحزاب قدرة حقيقية على التواصل المباشر في مختلف المحافظات، لا الاقتصار على العاصمة أو المناسبات الانتخابية.
الأحزاب التي تعتمد على إصدار البيانات فقط لا تصنع حياة سياسية نشطة؛ فالعمل الحزبي الحقيقي يتطلب قواعد شعبية وتنظيمات فاعلة وبرامج واضحة وآليات تواصل مستمرة، وقدرة على تقديم حلول واقعية. الأحزاب الفاعلة مدرسة لإعداد القيادات السياسية وتجديد النخب.
يرى السعيد أن دعوة الرئيس منطلق لمرحلة جديدة من العمل السياسي الجاد، تدعم الأحزاب القادرة على ممارسة دورها الحقيقي، وتوسع المشاركة السياسية وتعمق الحوار الوطني.
توجهات جديدة للجمهورية الجديدة
الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية، يرى أن التوجهات الأخيرة بملفات الإعلام والانتخابات والحياة الحزبية جزء من رؤية أشمل لإعادة ضبط أولويات العمل الحكومي. هذه التوجيهات توافق ما أعلنه الرئيس بشأن الرؤية الاستراتيجية للدولة وفتح المجال العام، والدخول في مرحلة “الجمهورية الجديدة” التي تستلزم إعادة صياغة أدوات إدارة الدولة والمجال العام.
تنشيط الحياة السياسية والحزبية يتطلب من الأحزاب تطوير برامجها وأفكارها، وتقديم كوادر جديدة قادرة على خوض المنافسة الانتخابية.
برامج واقعية وجذب المواطن
الكاتب والباحث إسلام عوض يؤكد أن التوجيهات الرئاسية تعكس توجهًا جادًا نحو توسيع المشاركة السياسية وظهور قيادات جديدة. المرحلة الحالية انتقال من التركيز على بناء الدولة والتحديات الأمنية إلى الإصلاح السياسي وتعزيز المشاركة.
لجذب المواطن، شدد عوض على ضرورة برامج سياسية واضحة وواقعية. “المواطن أصبح أكثر وعيًا ولا ينخرط في الأحزاب بالشعارات”. البرنامج الحزبي يجب أن يكون عقدًا واضحًا بين الحزب والمجتمع يتناول قضايا التعليم والصحة والاقتصاد ومواجهة الغلاء.
مستقبل العمل الحزبي يتجه نحو “أحزاب المؤسسات” القائمة على البرامج والكوادر، وليس الأحزاب التي تعتمد على الأشخاص أو الشعارات. يجب الانتقال من منطق “الأفراد إلى المؤسسات” داخل الحياة السياسية.
فرق عوض بين “أحزاب المقرات والبيانات” التي وصفها بكيانات شكلية محدودة التأثير، وبين “أحزاب الكوادر” التي تستثمر في العنصر البشري وتؤهله. الأخيرة هي الأكثر قدرة على التأثير والحضور في الشارع. المرحلة المقبلة ستشهد تراجع الأحزاب الشكلية وصعود أحزاب ببرامج حقيقية وكوادر مؤهلة، تحول العمل السياسي لممارسة واقعية مرتبطة باحتياجات المواطنين اليومية.

