الإرهاق الشديد، الابتعاد الذهني عن العمل، والشعور بقلة الكفاءة، هذه ليست مجرد علامات تعب عابر، بل قد تكون مؤشرات على “الاحتراق الوظيفي”، وهي ظاهرة مهنية صنفتها منظمة الصحة العالمية ناتجة عن ضغط عمل مزمن لم تتم إدارته بشكل صحيح. تتزايد التحذيرات من أن بيئات العمل السامة والإفراط في العطاء يحولان الشغف إلى عبء حقيقي يهدد الصحة النفسية والإنتاجية.

متى يتحول الشغف إلى عبء؟

يبدأ الاحتراق غالبًا بالإفراط في العطاء، مثل ساعات عمل أطول ومهام أكثر ورسائل لا تتوقف. يتطور الأمر إلى تبلد، حيث يتعامل الشخص مع يومه كآلة ويفقد شغفه بما كان يحبه، وقد يصل إلى الإحساس بالفشل رغم إنجازاته.

منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية توضحان أن بيئات العمل غير الآمنة نفسيًا، كزيادة الأعباء، وضعف السيطرة على القرارات، وغياب الدعم، ترفع مخاطر القلق والاكتئاب والإجهاد المهني. لذلك، لا يمكن التعامل مع الاحتراق كمسؤولية فردية فقط.

بيئة العمل المتهم الرئيسي

المؤسسات التي تمجد الموظف الذي يعمل بلا توقف، والمديرون الذين يتوقعون الرد في أي وقت، وثقافة اعتبار الراحة تقصيرًا، كلها تسهم في تفاقم الاحتراق الوظيفي. هذه الظاهرة منتشرة بشكل خاص بين العاملين في المهن الإنسانية كالأطباء والمعلمين والصحفيين، نظرًا لتعاملهم اليومي مع ضغط الناس وآلامهم.

توصي جهات متخصصة، مثل منظمة الصحة العالمية والمعهد الأمريكي للسلامة والصحة المهنية (NIOSH)، بأن تتبنى المؤسسات إجراءات واضحة. تشمل هذه الإجراءات مراجعة ساعات العمل، توزيع المهام بشكل عادل، تدريب المديرين على دعم الموظفين، توفير قنوات سرية للمساعدة النفسية، ووضع حدود واضحة للتواصل خارج ساعات العمل.

العودة من الإرهاق

يبدأ التعافي من الاحتراق الوظيفي بالاعتراف بأنه ليس تعبًا عاديًا، ثم التوقف الحقيقي عن العمل، وليس مجرد إجازة يقضيها الشخص في متابعة البريد والرسائل. تتبع ذلك خطوة إعادة ترتيب الأولويات، ووضع حدود تحمي الوقت والصحة والعلاقات الشخصية.

في مصر، تتيح الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان التابعة لوزارة الصحة خدمات دعم نفسي واستشارات عبر منصاتها الرسمية، وهي خطوة مهمة لمن يشعر أن الضغط تجاوز قدرته على التحمل.