انتقلت رحلة الحج خلال العقود الماضية من أسفار شاقة قد تمتد لأشهر إلى وسائل نقل حديثة تختصر الطريق إلى ساعات. وبين الدواب وشاحنات «هينو» وقطار الحرمين، تبدلت تفاصيل الوصول إلى مكة والمشاعر المقدسة بالكامل.
في الماضي، كان الحجاج يقطعون الجبال والصحراء سيرًا على الأقدام أو على ظهور الإبل، وسط مخاطر الجوع والعطش ووعورة الطريق وقطاع الطرق. وكانت الرحلة في بعض الأحيان تكلف الحاج حياته، فيما كان كثيرون يودعون أهلهم ورفاقهم قبل الانطلاق دون يقين من العودة.
ومع مرور الوقت، ظهرت مرحلة جديدة اعتمد فيها بعض الحجاج على الشاحنات، ومنها شاحنات «هينو»، لكن الرحلات بقيت مرهقة ومليئة بالصعوبات. ويقول سعود الشهراني: «حجت مع والدي منذ 45 سنة وكان عمري 16 سنة، وكان من الصعب القدوم إلى مكة، خاصة أننا سافرنا إلى المشاعر المقدسة من جنوب المملكة».
ويضيف الشهراني: «طريقنا للوصول إلى مكة كان عن طريق شاحنة هينو، كان عليها خزان خلفي عليه حواجز، وتم تزويدنا بالطعام والماء. وأذكر أننا واجهنا صعوبات لمدة ثلاثة أيام في أحد الأودية بسبب ارتفاع منسوب المياه فيه، ولم نتمكن من عبوره في ذلك الوقت حتى انخفض المنسوب وواصلنا رحلتنا إلى مكة».
كما يتحدث أحمد السلمي عن المشقة التي كانت ترافق الحجاج قديمًا، مثل ضربة الشمس والغبار والأمطار والبرد، قبل أن تتغير الصورة اليوم مع وصول الحجاج خلال ساعات بقطار وطائرات الحرمين.
من البر والبحر إلى الطيران
شهدت وسائل النقل الخاصة بالحج تحولًا كبيرًا مع إدخال النقل البحري، حين كانت السفن التقليدية والباخرية تنقل الحجاج من الدول الآسيوية والأفريقية عبر البحر الأحمر إلى ميناء جدة الإسلامي، الذي ظل لسنوات البوابة الرئيسية لوصولهم إلى مكة.
لاحقًا، دخلت المركبات والحافلات الحديثة على خط النقل، وساهمت الطرق السريعة في المملكة العربية السعودية في تسريع الحركة بين مكة والمشاعر المقدسة والمنافذ البرية والمطارات، وتقليل زمن السفر وزيادة مستوى الأمان والراحة للحجاج.
ثم جاء التحول الأبرز مع الطيران المدني، بعدما أصبحت الطائرات الوسيلة الرئيسية لوصول ملايين الحجاج من مختلف قارات العالم إلى المملكة في رحلات تستغرق ساعات قليلة بدلًا من أسابيع أو أشهر.
وتستقبل المطارات السعودية حجاج بيت الله الحرام عبر نظام تشغيلي متطور يتضمن صالات مخصصة للحجاج وتقنيات حديثة لتسهيل إجراءات الوصول والمغادرة، بما يضمن سلاسة الحركة منذ لحظة وصولهم إلى المملكة وحتى انتقالهم إلى المشاعر المقدسة.
القطار الذكي داخل المشاعر
واصلت المملكة تطوير منظومة النقل المرتبطة بالحج عبر مشاريع نوعية داخل مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، تعتمد على أحدث التقنيات لإدارة حركة الحشود بكفاءة عالية. ومن أبرز هذه المشاريع قطار المشاعر المقدسة ومشروع قطار الحرمين الشريفين.
ويعمل قطار المشاعر المقدسة وفق نظام تشغيلي ذكي يربط منى وعرفات ومزدلفة عبر مسارات خاصة، ويساهم في نقل أعداد كبيرة من الحجاج وتخفيف الازدحام المروري خلال ساعات الذروة وتحسين مستوى السلامة والتنظيم.
أما قطار الحرمين السريع فيمثل نقلة نوعية في خدمات النقل المرتبطة بالحج والعمرة، إذ يربط مكة المكرمة والمدينة المنورة عبر جدة ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية، ويوفر وسيلة نقل سريعة وآمنة وصديقة للبيئة تختصر زمن السفر بين مكة والمدينة إلى ساعتين تقريبًا.

