قلب الصراع بين الولايات المتحدة وإيران موازين تسعير النفط عالمياً، لتصبح السياسة المحرك الأبرز للأسعار متقدمة على عوامل العرض والطلب. هذا ما كشفته تقديرات شركة “ريستاد إنرجي” لتحليلات الطاقة، مشيرة إلى أن الحرب دفعت خام برنت للارتفاع من نحو 70 دولاراً للبرميل في منتصف فبراير 2026 إلى قرابة 120 دولاراً بنهاية مارس. وتضاعفت أسعار الغاز الأوروبية أيضاً من 30 إلى 60 يورو لكل ميجاوات/ساعة، نتيجة إعادة تسعير المخاطر المرتبطة بأمن الملاحة والبنية التحتية للطاقة.

ورغم توصل واشنطن وطهران إلى هدنة في أبريل الماضي، وتوقيع مذكرة تفاهم في يونيو تضمنت وقف العمليات العسكرية وفتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، إلا أن الأسواق لا تزال تتعامل بحذر. أدى الاتفاق إلى تراجع أسعار النفط إلى أقل من 80 دولاراً للبرميل مع بدء الأسواق في تسعير عودة تدريجية لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

ترى “ريستاد إنرجي” أن الاتفاق يمثل بداية لمسار تفاوضي طويل، خصوصاً مع استمرار الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني ومستقبل المضيق. يظل مضيق هرمز أكبر مصدر للمخاطر في أسواق الطاقة، حيث تراجعت حركة الملاحة من نحو 110 سفن يومياً قبل الحرب إلى 8 سفن فقط خلال الأزمة، ما تسبب في صدمة كبرى لأمن الطاقة. ورغم التحسن النسبي، تتطلب عودة حركة الشحن إلى مستوياتها الطبيعية وقتاً لاستعادة ثقة شركات النقل والتأمين.

تتوقع الشركة أن ينخفض حجم الإنتاج المعطل من النفط والغاز في الشرق الأوسط من نحو 16.9 مليون برميل مكافئ يومياً خلال يونيو إلى 8 ملايين برميل يومياً بحلول أغسطس، ثم إلى مليون برميل فقط بنهاية العام.

سيناريوهات مستقبل النفط

رفعت “ريستاد إنرجي” احتمال التوصل إلى اتفاق محدود بين الولايات المتحدة وإيران إلى 55%، مقارنة بـ 40% سابقاً. يقوم هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً على تجنب تجدد القتال واستعادة جزء كبير من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. في المقابل، منحت الشركة احتمالاً يبلغ 25% لاستمرار الجمود السياسي مع بقاء وقف إطلاق النار دون اتفاق نهائي. وقدرت احتمال انهيار المفاوضات وتجدد الحرب عند 10%، مشيرة إلى أنه السيناريو الأكثر خطورة على أسعار النفط.

من المستفيد من الأزمة؟

أشارت “ريستاد إنرجي” إلى أن ارتفاع أسعار النفط وفر متنفساً مالياً لروسيا، حيث ارتفعت إيرادات صادراتها البحرية من النفط الخام من نحو 4 مليارات دولار في فبراير إلى 10.5 مليار دولار في مايو، قبل أن تبدأ هذه المكاسب في التراجع مع انخفاض الأسعار. وبرزت الصين كأكثر قدرة على امتصاص صدمات الأسواق، بفضل احتياطياتها النفطية التي تتجاوز 1.3 مليار برميل، ما يعادل نحو 130 يوماً من الواردات، وهو ما عزز قدرتها على مواجهة اضطرابات الإمدادات العالمية.

ترى “ريستاد إنرجي” أن المخاطر الجيوسياسية لم تعد عنصراً ثانوياً في أسواق الطاقة، بل أصبحت المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسعار. الدبلوماسية نجحت في احتواء الصدمة الفورية، لكنها لم تعالج جذور الأزمة، ما يعني استمرار ارتباط أسعار النفط والغاز بالتطورات السياسية والعسكرية، إلى جانب أساسيات العرض والطلب.