تتجه أنظار عشاق كرة القدم نحو نصف نهائي كأس العالم 2026، حيث تتجدد مواجهة تاريخية بين أربعة منتخبات لا تتصدر تصنيف الفيفا العالمي فحسب، بل تحمل في طياتها صراعًا يعود لقرون خلت على مجموعة جزر استراتيجية. فرنسا، الأرجنتين، إسبانيا، وإنجلترا، هذه القوى الكروية الأربعة التي تحتل المراكز الأولى عالميًا، ستصطدم في مواجهتين مرتقبتين بالولايات المتحدة الأمريكية.

يلتقي منتخب فرنسا مع إسبانيا في المباراة الأولى يوم 14 يوليو على ملعب دالاس بولاية تكساس، بينما يحتضن ملعب أتلانتا بولاية جورجيا مواجهة الأرجنتين وإنجلترا يوم 15 يوليو. تنطلق كلتا المباراتين في تمام العاشرة مساءً بتوقت القاهرة.

صراع الجزر يعود لقرون

قبل المنافسة على الكأس الذهبية، تصارعت نفس الدول الأربعة على مجموعة جزر تُعرف باسم جزر الفوكلاند أو المالفيناس، التي تبعد حوالي 500 كيلومتر عن سواحل الأرجنتين. اكتسبت هذه الجزر أهمية استراتيجية بالغة في القرن الثامن عشر، حيث كانت محطة حيوية للتزود بالمؤن وإصلاح السفن التي تتنقل بين المحيطين الأطلسي والهادي، قبل شق قناتي السويس وبنما. هذا الموقع جعل الصراع عليها حتميًا بين القوى الأوروبية الكبرى.

بينما سيطرت فرنسا على الجزء الشرقي من الجزر، دخلت بريطانيا على الخط وأسست مستوطناتها في الجزر الغربية عام 1765. بعد خمس سنوات، طردت إسبانيا الحامية البريطانية، ما كاد يشعل حربًا أوروبية واسعة، قبل أن توافق إسبانيا تحت ضغوط على إعادة البريطانيين لمستوطناتهم.

استمرت الحماية الإسبانية حتى عام 1811 عندما سحبت قواتها بسبب حروب استقلال شعوب أمريكا الجنوبية. بعد استقلالها عام 1820، أعلنت الأرجنتين، التي اعتبرت نفسها الوريث القانوني للممتلكات الإسبانية، سيادتها على الجزر ورفعت علمها. بعد 13 عامًا، عادت بريطانيا لتطالب بأحقيتها في الجزر، وطردت الحاكم الأرجنتيني، معلنةً الفوكلاند مستعمرة تابعة للتاج البريطاني، ليبدأ بذلك صراع مستمر حتى اليوم.

حرب الـ 74 يومًا واستفتاء 2013

في عام 1982، اعتقد النظام الحاكم بالأرجنتين أن بريطانيا لن تخوض حربًا لاستعادة جزر تبعد عنها أكثر من 13 ألف كيلومتر، لكن هذا الافتراض كان خاطئًا. أرسلت رئيسة الحكومة البريطانية مارجريت تاتشر أسطولًا بحريًا ضخمًا لاستعادة الجزر بالقوة.

عام 2013، أجرت حكومة الفوكلاند استفتاءً لسكان الجزر حول رغبتهم في البقاء إقليمًا بريطانيًا أو أرجنتينيًا. صوت 99.8% لصالح استمرار السيادة البريطانية. رفضت الأرجنتين نتائج الاستفتاء بحجة أن أغلب سكان الفوكلاند هم أحفاد المستعمرين البريطانيين الأوائل.

المواجهة الكروية.. من مارادونا إلى اليوم

على الرغم من عدم رغبة اللاعبين في إقحام السياسة بالمباراة، إلا أن مواجهة الأرجنتين وإنجلترا في ربع نهائي كأس العالم 1986 بالمكسيك حملت جدلاً تاريخيًا. في الدقيقة 51 من الشوط الثاني، سجل دييجو مارادونا هدفًا بيده بعد قفزه مع الحارس الإنجليزي بيتر شيلتون، ليتم احتسابه وسط احتجاجات إنجليزية كبيرة.

بعد أربع دقائق فقط، في الدقيقة 55، أذهل مارادونا العالم بهدفه الثاني الذي انطلق فيه بالكرة من منتصف الملعب، مراوغًا ستة لاعبين إنجليز بمن فيهم حارس المرمى، محرزًا ما عُرف لاحقًا بـ “هدف القرن”. اعتبر الإنجليز الخسارة جاءت بالغش، بينما وصف مارادونا هدفه الأول بأنه جاء بـ “يد الرب”. قاد مارادونا بلاده للفوز بكأس العالم بعد تلك المباراة.

تجددت المواجهة بين المنتخبين في دور الستة عشر من كأس العالم 1998، وشهدت طرد دافيد بيكهام بعد احتكاكه مع دييجو سيميوني، لتنتهي المباراة بالتعادل بهدفين لمثلهما وفوز الأرجنتين بركلات الترجيح. وفي كأس العالم 2002، التقيا للمرة الأخيرة في دور المجموعات، حيث رد بيكهام اعتباره بهدف نظيف من ركلة جزاء قاد إنجلترا للفوز.

خفوت حدة العداوة

قبل مباراة المنتخبين في نصف نهائي كأس العالم 2026، لم تعد العداوة بنفس الحدة السابقة. حتى هدف مارادونا باليد لم يعد يثير حنق الإنجليز كالسابق؛ فمهاجم إنجلترا السابق جاري لينيكر عبر عن إعجابه الشديد بمارادونا في مناسبات عدة، واعتبره أسطورة وأفضل لاعب في تاريخ كرة القدم، رغم مرارة الهدف الذي شهده من الملعب.

تزايد نشاط اللاعبين الأرجنتينيين في أندية الدوري الإنجليزي الممتاز على مدار السنوات، وتضم قائمة المنتخب المشاركة بكأس العالم ستة لاعبين يلعبون لأندية كبيرة في البريميرليج كـ مانشستر يونايتد وتشيلسي وليفربول.

وعن المباراة، قال إيمليانو مارتينيز، حارس أستون فيلا الإنجليزي ومنتخب الأرجنتين: “مواجهة إنجلترا تحمل طابعًا خاصًا بالنسبة لي. أُكن الكثير من الاحترام لتلك البلاد، فأبنائي وُلدوا وترعرعوا فيها، وأنا أعيش هناك منذ 16 عامًا. علينا الاستمتاع بالمباراة ومحاولة الفوز بها كالمُعتاد”.