تتجه أوروبا بشكل متزايد إلى توسيع الدعم الحكومي للشركات، في تحول واضح عن السياسات التقليدية التي اتبعها الاتحاد الأوروبي لعقود للحد من الإعانات المالية ومنع تشويه المنافسة داخل السوق الموحدة.
وجاء هذا التحول بعد سلسلة أزمات متلاحقة، بدأت بجائحة كورونا، ثم أزمة الطاقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى تداعيات الحرب مع إيران وارتفاع أسعار النفط والطاقة. وباتت شركات أوروبية كبرى ترى في الدعم الحكومي ضرورة للحفاظ على قدرتها التنافسية، في وقت تواجه فيه منافسة قوية من الشركات الصينية المدعومة حكوميًا، إلى جانب السياسات الصناعية الأمريكية التي تقدم حوافز ضخمة للشركات المحلية.
168.23 مليار يورو في عام واحد
ووفقًا لصحيفة فايننشال تايمز، أنفقت دول الاتحاد الأوروبي خلال 2024 نحو 168.23 مليار يورو على أشكال مختلفة من الدعم الحكومي المسموح به وفق قواعد المفوضية الأوروبية، وهو ما يعادل قرابة 1% من إجمالي الناتج المحلي للتكتل الأوروبي.
وأشارت بيانات المفوضية إلى أن مستويات الدعم الحكومي ارتفعت تدريجيًا حتى قبل أزمة كورونا، قبل أن تقفز بشكل كبير خلال الجائحة وأزمة الطاقة. ورغم تراجع الإنفاق بعد انتهاء ذروة الأزمات، فإن المستويات الحالية لا تزال أعلى بكثير مقارنة بفترة ما قبل الجائحة.
مخاوف من اختلال المنافسة
يرى مسؤولون وخبراء أوروبيون أن التوسع في الإعانات الحكومية أصبح جزءًا من السياسة الصناعية الجديدة للاتحاد الأوروبي، خاصة مع تصاعد المنافسة العالمية والتحولات الاقتصادية الكبرى.
لكن هذا الاتجاه يثير قلق عدد من الدول والشركات، التي تخشى أن تؤدي الإعانات الضخمة إلى إضعاف المنافسة العادلة داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، خصوصًا أن الاقتصادات الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا تملك قدرة مالية أكبر بكثير من الدول الأصغر.
ألمانيا صاحبة النفوذ الأكبر
استحوذت ألمانيا وحدها على ما يقرب من ربع إجمالي الدعم الحكومي داخل الاتحاد الأوروبي خلال 2024، مستفيدة من قوة اقتصادها وحجم مواردها المالية، إضافة إلى تضرر قطاعها الصناعي بشدة بعد توقف إمدادات الطاقة الروسية الرخيصة.
وفي المقابل، ترى دول أوروبية أصغر أن هذا التفاوت يمنح الشركات الألمانية والفرنسية أفضلية واضحة داخل السوق الأوروبية، وهو ما قد يؤدي إلى توجيه الاستثمارات نحو الدول الأكثر قدرة على تقديم الدعم المالي.
تنافس أوروبي أمريكي صيني
ويحذر مؤيدو توسيع الدعم من أن أوروبا قد تخسر صناعات استراتيجية لصالح الولايات المتحدة والصين إذا استمرت في فرض قيود صارمة على الإعانات الحكومية، خاصة أن بكين وواشنطن تستخدمان الدعم المالي بصورة أكثر قوة لحماية صناعاتهما.
ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مرارًا إلى منح الحكومات الأوروبية مساحة أكبر لتقديم الدعم للشركات المحلية، معتبرًا أن أوروبا أصبحت المنطقة الوحيدة التي لا توفر الحماية الكافية لمنتجيها المحليين في مواجهة المنافسة العالمية.
الطاقة محور الأزمة
تظهر الانقسامات الأوروبية بوضوح في ملف الطاقة، بعدما أنفقت دول الاتحاد نحو 540 مليار يورو بين أواخر 2021 ومنتصف 2023 لدعم أسعار الطاقة وحماية المستهلكين والصناعات من تداعيات ارتفاع الأسعار عقب الحرب الروسية الأوكرانية.
ويرى منتقدون أن الحكومات الأوروبية أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الدعم الحكومي كوسيلة سريعة للتعامل مع الأزمات، بدلًا من التركيز على إصلاحات طويلة الأجل تشمل تعزيز التنافسية وتطوير البنية التحتية وتحسين كفاءة سوق العمل، وسط تحذيرات من أن سباق الإعانات قد يتحول إلى عبء اقتصادي طويل المدى داخل الاتحاد الأوروبي.

