حذر الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد، إمام وخطيب المسجد الحرام، من أن أعظم الناس ضلالًا وخسرانًا هو من تعلق قلبه بغير الله. جاء ذلك خلال خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم، حيث دعا المسلمين إلى مراجعة النفس وتجديد التوبة مع استقبال العام الهجري الجديد. وفي المسجد النبوي، أكد الشيخ الدكتور خالد المهنا أن المساجد هي أحب البقاع إلى الله، مشدداً على أهمية عمارتها والآداب الواجبة فيها.
خطبة المسجد الحرام: الافتقار إلى الله سبيل السعادة
أوصى الشيخ الدكتور صالح بن حميد المسلمين بتقوى الله، محذرًا من الاغترار بالآمال، ومؤكدًا أن كل حي راحل، ولا يبقى للإنسان بعد موته إلا عمله الصالح. وذكر أن الأوقات تمضي سريعًا، والأعمار تنقضي، والسعيد من استودع عمره صالح العمل. ودعا إلى اغتنام مناسبة العام الهجري الجديد في مراجعة النفس وتجديد التوبة.
وأشار إمام المسجد الحرام إلى أن مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، بينما مفاوز الآخرة تقطع بالقلوب. وأوضح أن أحب القلوب إلى الله هو القلب الذي تمكنت منه الذلة لربه والانكسار لمولاه، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾.
وأكد الدكتور بن حميد أن الافتقار إلى الله من أعظم مقامات العبودية، ويتحقق حين يتأمل العبد ضعفه وفقره وحاجته، ويرفع ذلك كله إلى الله. وعلى قدر افتقار العبد لربه يكون توفيقه ورزقه وغناه وسعادته. فالحقيقة هي أن العبد لا غنى له عن ربه طرفة عين، وأن الله هو الكافي والمؤيد والنصير، ولا قوة للعبد إلا بمشيئة الله.
وبين فضيلته أن العبد كلما كان لربه أذل وأفقر، كان إليه أقرب وبه أعز وله أحب. وذكر أن العلم بالله يزيد صاحبه خشية منه، مستشهدًا بقول الفضيل بن عياض: “أعلم الناس بالله أخوفهم منه”. وأن الخوف من الله يدفع إلى الحرص والجد والإقبال على الطاعة. ومما يرفع العبد إلى مقام الافتقار إلى الله: الدعاء والاستعانة والتوكل ومداومة الذكر والاستغفار وخشية الله في السر والعلن.
وشدد على أن الافتقار إلى الله سبب للغنى والرحمة والفضل، وأن السعادة الحقيقية تتحقق بكمال الذل لله والافتقار إليه. وأن للعبد بين يدي ربه موقفين: في الصلاة، ويوم يلقاه، ومن قام بحق الأول هان عليه الثاني. وأوضح أن إضاعة القلب وإضاعة الوقت من أعظم الإضاعات، فالأولى بإيثار الدنيا على الآخرة، والثانية بطول الأمل. وأن الشرك والبدعة والمعصية هي العوائق التي تحول بين العبد وربه، ويزول الشرك بالتوحيد، والبدعة بلزوم السنة، والمعصية بالتوبة النصوح.
ودعا إمام وخطيب المسجد الحرام المسلمين إلى استقبال العام الهجري الجديد بالتوبة والعمل الصالح، مشيرًا إلى أن عمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله. وحث على صيام يوم عاشوراء، لما رواه أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها”، وذكر ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: “خالفوا اليهود صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده”.
خطبة المسجد النبوي: المساجد بيوت الله وأحب البقاع
ألقى الشيخ الدكتور خالد المهنا خطبة الجمعة بالمسجد النبوي، موصيًا المسلمين بتقوى الله تعالى. وقال إن المساجد بيوت الله في أرضه، وأحب البقاع إليه سبحانه، مستشهدًا بقوله صلى الله عليه وسلم: “أحب البقاع إلى الله مساجدها، وأبغضها إليه أسواقها”. وأمر الله ببنائها وصونها لتكون مواضع لذكره وتسبيحه، حيث يعمرها رجال يتعاهدونها خمس مرات يوميًا.
وبين فضيلته أن المسلم يشتاق إلى المساجد، ويبهج فؤاده لها لما وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم عمارها بقوله: “من غدا إلى المسجد أو راح، أعدّ الله له في الجنة نُزُلًا كلما غدا أو راح”. ويعمرها المسلم بذكر ربه وتلاوة كتابه وأداء فرائضه وتعلم العلوم الشرعية.
وأضاف أن الساعي إلى المساجد بين درجة ترفعه، وخطيئة تحط عنه، وملائكة تصلي عليه وتستغفر له. والماكث فيها ينتظر الصلاة له مثل أجر الصائم المصلي. وذكر أن صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وترفع له بها درجة وتحط عنه بها خطيئة.
وأوضح الدكتور المهنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى بيده الكريمة بناء مسجده الشريف، وأعانه عليه أصحابه، ورغب في بناء المساجد لما وعد الله على ذلك من الثواب. فالمساجد مستراح الصالحين وملتقى المؤمنين، وفيها يتحقق مقصد عظيم من مقاصد الإسلام، وهو تحقيق أخوة الإيمان، حيث يلتقي المسلم أخاه بالبشر والسلام، ليسود التعاطف والتراحم.
وختم إمام وخطيب المسجد النبوي بالقول إن المساجد لم تبنَ إلا لإقامة ذكر الله، والأدب فيها واجب. فمن قام فيها فلا يقول إلا خيرًا، ولا يعمل إلا صالحًا، ولا يراد فيها إلا عمل الآخرة. ويجب اجتناب جميع أمور الدنيا فيها من بيع وشراء، والحديث عن المكاسب، والخوض في أعراض الناس، ورفع الأصوات والضحك والصخب والجدال، والتوسع في السؤال عن الأحوال.

