دعوات مكثفة يطلقها مثقفون وكتاب رأي لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بتعميم نظام ساعات العمل المرنة في مدن المملكة الكبرى، مثل مكة المكرمة، المدينة المنورة، جدة والدمام. يأتي هذا المطلب بعد أن أثبتت المبادرة نجاحها في تخفيف الازدحام المروري وتحسين حركة السير بمدينة الرياض، حيث طبقتها الهيئة الملكية بالتعاون مع الوزارة منذ 2 يونيو 2026. يرى المطالبون أن تطبيق الدوام المرن سيعزز إنتاجية الموظفين ويرفع مستوى رضاهم الوظيفي، عبر تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة الشخصية.
الدكتور سالم بن سعيد باعجاجة يصف مبادرة ساعات العمل المرنة في الرياض، التي أطلقتها الهيئة الملكية بالشراكة مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، بأنها نموذج حديث لإدارة أوقات العمل. تساهم هذه المبادرة في تعزيز كفاءة التنقل وتحسين تجربة الموظفين، وتدعم جودة الحياة والتنمية الحضرية المستدامة في المدن الكبرى.
وأوضح الدكتور باعجاجة أن الخطوة تهدف إلى توزيع حركة الموظفين على فترات زمنية متعددة بدلاً من تركيزها في ساعات محددة. هذا يقلل الضغط على شبكة الطرق ويحقق انسيابية مرورية داخل المدينة. ويتوقع الدكتور سالم أن تؤثر هذه المرونة إيجابًا على إنتاجية الموظفين ورضاهم الوظيفي، بتمكينهم من تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة الشخصية. أشار إلى أن المبادرة جزء من رؤية لتطوير منظومة التنقل في المدينة، متمنيًا تطبيقها في مدن كبرى أخرى مثل جدة.
أبرار عبدالله الحريري، رئيس مجلس إدارة رواد الزراعة التعاونية، تؤيد مبادرة الهيئة الملكية للرياض ووزارة الموارد والتنمية الاجتماعية لتفريق بداية ساعات الدوام بمرونة. ترى الحريري أن المبادرة تتجاوز كونها حلاً مؤقتًا للاختناقات المرورية، فهي أداة لإعادة تنظيم إيقاع المدن الكبرى وتحسين كفاءة استثمار الوقت والبنية التحتية.
وأضافت أن المدن الحديثة تُقاس بقدرتها على الحركة خلال ساعات الذروة. توزيع ساعات العمل يقلل التكدس المروري ويرفع إنتاجية الموظفين، ويحد من استهلاك الوقود والانبعاثات، مما يجعله خيارًا اقتصاديًا وبيئيًا. أكدت الحريري أن نجاح المبادرة في عشرات الجهات يثبت أن المرونة الوظيفية مطلب للإدارة الحديثة، مقترحة أن تتجاوز المرحلة القادمة التوسع في التطبيق إلى قياس الأثر الفعلي على جودة الحياة والصحة النفسية للعاملين وكفاءة المدن. فإذا أثبتت النتائج ذلك، سيكون تعميمها استثمارًا في الإنسان والاقتصاد والبيئة.
الدكتور محمد أحمد المنشي، أستاذ التخطيط والبحث العلمي وعضو مجلس الأسرة العربية للتنمية بالقاهرة، يرى أن مبادرة ساعات العمل المرنة التي بدأت بها الهيئة الملكية لمدينة الرياض بالشراكة مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في 2 يونيو 2026، خطة استراتيجية لتحسين جودة الحياة بالعاصمة. تتيح المبادرة للعاملين اختيار وقت حضورهم وانصرافهم ضمن إطار زمني مرن يصل إلى 4 ساعات، بدلاً من الموعد الثابت الموحد.
وأوضح الدكتور المنشي أن هذا النظام يختلف عن عقود العمل المرن (نظام الساعات). يطبق النظام على 50 جهة حكومية في 9 مناطق عمل بالرياض، حيث تقسم مواعيد العمل من 5:30 صباحًا حتى 9:30 صباحًا للجهات الخاضعة لنظام الخدمة المدنية، ومن 7:00 صباحًا إلى 11:00 صباحًا للجهات الخاضعة لنظام العمل. مزايا المبادرة تتضمن فك الاختناقات المرورية فورًا، ورفع الإنتاجية، وتحسين جودة الحياة.
واقترح الدكتور المنشي التنسيق في الاجتماعات عبر التواصل الإلكتروني، وتنسيق الإشراف والمتابعة بتقييم شهري بين المدير ومساعديه، والتخطيط للتغلب على مشاعر الانفصال عن بيئة العمل الجماعية بتغيير مواعيد حضور الموظفين كل شهر.
الدكتور فهد بن عبد الكريم التركستاني، سفير مبادرة التوعية البيئية، يؤيد مبادرة ساعات العمل المرنة، واصفًا إياها بـ “التحول الذكي في إدارة المدن الحديثة”. أشار إلى أن التجارب العالمية أثبتت أن معالجة الازدحام لا تعتمد فقط على إنشاء الطرق والجسور، بل على إدارة التنقل وتوزيع الطلب على شبكة الطرق خلال ساعات الدوام.
وأوضح التركستاني أن المبادرة تنسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تحسين جودة الحياة، ورفع كفاءة المدن، وتعزيز الاستدامة. بدأت الهيئة الملكية للرياض بالشراكة مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في تطبيق المبادرة بأكثر من 50 جهة عمل موزعة على ستة أحياء رئيسية، بهدف تعزيز انسيابية الحركة المرورية وتحسين كفاءة التنقل. أكد أن نجاح نماذج العمل المرن في جهات كبرى سابقة يثبت أن المرونة لا تتعارض مع الإنتاجية، بل تساهم في رفعها وتحسين التوازن بين الحياة والعمل. يرى التركستاني أن المبادرة خطوة استراتيجية نحو مدينة أكثر كفاءة واستدامة، واستثمار مباشر في وقت الإنسان وجودة حياته، لتحقيق رؤية المملكة في بناء مدن عالمية تنافسية وجاذبة.
الكاتب الدكتور عبدالله بن علي بانخر، خبير وأكاديمي إعلامي بكلية الاتصال والإعلام بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، يؤيد المبادرة الناجحة. يرى أن أي فكرة تخدم الوطن والمجتمع وتحل الأزمات يجب أن تتحول إلى فرصة لزيادة الإنتاجية. وأضاف بانخر أن العمل ينبغي ألا يقتصر على حل المشكلات، بل تحويلها إلى فرص لتحقيق المزيد من الإنجازات وخدمة الوطن وراحة المواطنين والعاملين، خاصة في ظل السيادة الرقمية ورؤية المملكة 2030.
الكاتب الصحفي أحمد صالح حلبي يشير إلى معاناة سكان الرياض من الازدحام المروري، نتيجة لزيادة عدد المركبات وتجاوزها للطاقة الاستيعابية للطرق، وقلة الإقبال على النقل العام، والتوسع العمراني والمشاريع والفعاليات. ورغم مشاريع التوسعة والكباري ومترو الرياض، لا تزال الحركة المرورية تشهد ازدحامًا شديدًا.
وذكر حلبي أن فكرة ساعات العمل المرنة التي أطلقتها الهيئة الملكية لمدينة الرياض بالشراكة مع وزارة الموارد والتنمية الاجتماعية، وطبقت في أكثر من 50 جهة عمل موزعة على 6 مناطق بهدف تقليل الزحام، أثبتت نجاحها. يرى أن تعميمها على جميع مدن المملكة قد يكون مبالغًا فيه، خاصة في المدن الصغيرة، لكنه يتفق مع ضرورة تطبيقها في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
أرجع ذلك إلى أن المدينتين تشهدان ارتفاعًا مستمرًا في حركة المعتمرين والحجاج والزوار على مدار العام، مما يزيد من عدد المركبات الكبيرة والصغيرة. وأضاف أن الحجاج والمعتمرين يتجهون الآن إلى المولات التجارية والمتاحف الخاصة في أحياء مكة المكرمة. يعتقد حلبي أن تطبيق نظام العمل المرن سيساهم في تخفيف الازدحام بشوارع وطرقات مكة المكرمة، ويوفر للطلاب والطالبات طرقًا خالية من الازدحام.
الدكتور وليد الزامل، أستاذ التخطيط العمراني بجامعة الملك سعود، وصف مبادرة ساعات العمل المرنة في الرياض بأنها خطوة هامة نحو تبني حلول تخطيطية وإدارية لمعالجة الازدحام المروري. تنطلق المبادرة من مبدأ التحكم في حجم الرحلات المرورية من المصدر، عبر دراسة أنماط التنقل اليومية وربطها بأوقات الذروة. تهدف الفكرة الأساسية إلى إعادة توزيع الرحلات خلال اليوم بدلاً من تركيزها في فترات زمنية محددة، مما يخفف الضغط على شبكة الطرق ويحسن كفاءة استخدامها. هذا التوجه يعكس مسارًا حديثًا في إدارة النقل الحضري يعتمد على إدارة الطلب على النقل وتنظيم الحركة المرورية، ويتجاوز الحلول التقليدية لتوسعة الطرق أو إنشاء الجسور والأنفاق.
أكد الدكتور الزامل أن نجاح المبادرة يعتمد على إجراء دراسات دورية لقياس أثرها الفعلي على الحركة المرورية، وتنفيذ استطلاعات رأي للمستفيدين وأصحاب العمل لتقييم التجربة ورصد التحديات، بما يتيح تطويرها. كما شدد على ضرورة تكامل المبادرة مع سياسات حضرية داعمة، أبرزها معالجة مشكلة مواقف السيارات بتوفير الشركات لمواقف كافية لموظفيها، للحد من الوقوف العشوائي وتقليل الاختناقات المرورية.
واختتم الدكتور الزامل بالتأكيد على أهمية ربط المبادرة بمنظومة النقل العام، خاصة من خلال تعزيز التنمية الموجهة للنقل (TOD) حول المحطات الرئيسية ذات الكثافات العالية. وشجع على تمركز بعض الأنشطة وفروع الشركات بالقرب من هذه المحطات لتسهيل وصول الموظفين عبر النقل العام، والحد من الاعتماد المفرط على السيارات، مما يؤثر إيجابًا على كفاءة التنقل وجودة الحياة الحضرية واستدامة مدينة الرياض.

