يشهد الإعلام المصري تحولاً جديداً بفتح المجال أمام تعدد الآراء ووجهات النظر، في استجابة لتوجيهات رئاسية تهدف لتعزيز الحوار المجتمعي ومواكبة متطلبات الجمهورية الجديدة. خبراء إعلاميون يؤكدون أن نجاح هذا التحول يرتبط بتطوير أدوات العمل الإعلامي والاعتماد على الكفاءة والتخصص، مع التأكيد على أن حرية التعبير لا تنفصل عن المسؤولية المهنية والمعايير الأخلاقية. هذا التوجه يفتح الباب أمام نقاشات متوازنة تبني وعياً عاماً مستنيراً وتزيد ثقة الجمهور.
تطوير العمل الإعلامي وجودة المحتوى
يؤكد الدكتور عادل عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أن فتح المجال العام خطوة مهمة لإتاحة الفرصة أمام تعدد الآراء. لكنه شدد على أن نجاح هذه التجربة يرتبط بالالتزام بالمسؤولية المهنية، ليصبح الإعلام أداة لبناء الوعي وليس سبباً في نشر الفوضى.
وأضاف عبد الغفار أن المسؤولية المهنية تبدأ من مرحلة الإعداد، سواء للبرامج أو الحوارات أو التقارير الإعلامية. جودة المحتوى ترتبط بحسن اختيار القضايا والضيوف، بما يضمن تقديم نقاشات تثري الرأي العام ومعلومات دقيقة للجمهور. وأوضح أن اختيار الضيوف يمثل حجر الأساس في أي حوار إعلامي ناجح، والأولوية لأصحاب التخصص والخبرة القادرين على تقديم رؤى قائمة على المعرفة والبيانات، وليس مجرد إبداء الآراء.
وأشار إلى أن وجود الخبراء يسهم في رفع مستوى النقاش من خلال تقديم معلومات موثقة وإحصاءات دقيقة، إلى جانب طرح حلول عملية للقضايا المطروحة. بناء قاعدة بيانات تضم خبراء ومتخصصين في مختلف المجالات، من الجامعات ومراكز البحث والقطاعات المهنية، يعد من أهم أدوات تطوير المحتوى الإعلامي، فالإعداد الجيد والاعتماد على مصادر موثوقة يمنحان الجمهور معلومات أكثر دقة وموضوعية.
قواعد الحوار وأخلاقيات المهنة
أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة التعليم العالي أن تعدد الآراء يحتاج إلى قواعد واضحة للحوار، تقوم على احترام الرأي الآخر، وعدم المقاطعة أو السخرية أو التقليل من وجهات النظر المختلفة. يجب الالتزام بمدونة أخلاقية تنظم البرامج الحوارية وتحافظ على حق جميع الأطراف في عرض آرائهم.
وأضاف أن مقدم البرنامج يتحمل مسؤولية أساسية في إدارة النقاش، من خلال تحقيق التوازن في توزيع الوقت، وطرح الأسئلة على جميع الأطراف بعدالة، والحفاظ على مسار الحوار بعيداً عن الإثارة أو الانحراف عن الموضوعية. كما أشار إلى أهمية دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في متابعة الأداء الإعلامي، ونشر الوعي بالمعايير المهنية، والتدخل عند حدوث تجاوزات لضمان جودة المحتوى واحترام أخلاقيات المهنة.
التوازن بين الحرية والمسؤولية
من جانبها، أكدت الدكتورة هويدا مصطفى، عميد كلية الإعلام الأسبق ونائب رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، أن حماية مبدأ الرأي والرأي الآخر تتحقق بتحقيق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية. وقالت إن احترام قواعد العمل الإعلامي يبدأ بالتحقق من المعلومات قبل نشرها، والتمييز بوضوح بين الخبر والرأي، حتى لا تُقدم وجهات النظر الشخصية باعتبارها حقائق، وهو ما يحافظ على مصداقية وسائل الإعلام.
وأضافت أن نجاح أي حوار إعلامي يعتمد على وجود مذيع محايد يمتلك القدرة على إدارة النقاش، ومنع المقاطعة أو التجاوزات، وضمان حصول جميع الأطراف على فرص متساوية لعرض آرائهم. وشددت على ضرورة الابتعاد عن الإثارة الإعلامية التي تستهدف جذب المشاهدات فقط، مؤكدة أن الإعلام القوي يقدم محتوى مهنياً قائماً على الحقائق والتحليل، وليس على رفع سقف الجدل.
وأكدت هويدا مصطفى أن استضافة أصحاب الخبرة والاختصاص تمثل ضمانة حقيقية لرفع جودة النقاش العام، موضحة أن الإعلام المسؤول يساعد الجمهور على تكوين رأي مستنير يستند إلى الأدلة، بينما تؤدي الفوضى الإعلامية إلى زيادة الاستقطاب وإضعاف الثقة في وسائل الإعلام.

