بعد 175 عامًا من انطلاق أول «وابور» بخاري، تشهد سكك حديد مصر تحولًا تاريخيًا نحو القطارات الكهربائية السريعة. هذه الشبكة، التي تعد ثاني أقدم خطوط حديدية عالميًا والأولى في أفريقيا والشرق الأوسط، تتجدد بالكامل لتربط أركان الجمهورية. تعود قصة هذه المسيرة الطويلة إلى عام 1851، عندما تعاقد الخديو عباس الأول مع المهندس البريطاني روبرت ستيفنسون لإنشاء مبنى السكة الحديد، واستغرقت عملية البناء عامين.
من البخار إلى الديزل: محطات تاريخية
أطلق المصريون على أول قطار بخاري اسم «الوابور» لأنه كان ينفث الدخان. بدأت الجذور الأولى للفكرة عام 1833، حيث تقدم المهندس البريطاني تومسون بايج بمشروع لربط القاهرة بالسويس إلى محمد علي باشا، لكنه توقف بسبب تخوفات سياسية. في 12 يوليو 1851، وقعت الحكومة المصرية اتفاقية مع روبرت ستيفنسون لإنشاء أول خط سكة حديد قياسي يربط القاهرة بالإسكندرية بطول 209 كيلومترات، بقيمة مبدئية 56,000 جنيه إسترليني.
في عام 1854، شهدت مصر تشغيل أول قاطرة بخارية تجريبيًا بين الإسكندرية وكفر الزيات. عام 1856، اكتمل الخط رسميًا ليصبح أول خط سكك حديدية في أفريقيا والشرق الأوسط. عام 1858، افتتح الخط الثاني الذي يربط القاهرة بالسويس، تلاه خطوط لبورسعيد والإسماعيلية.
مع صعود الخديو إسماعيل عام 1863، تضاعفت خطوط السكك الحديدية، ووصلت إلى المنيا عام 1870، ثم أسيوط عام 1874. بحلول عام 1877، كانت الشبكة تضم أكثر من 1300 كيلومتر. عام 1891، شُيد كوبري إمبابة الأول لربط شبكة مصر بالكامل، وأعيد بناؤه عام 1924 بتصميم من شركة المهندس غوستاف إيفل. في عام 1898، وصلت القطارات إلى أسوان.
خلال الحرب العالمية الأولى عام 1916، مدت القوات البريطانية خطًا عسكريًا من القنطرة شرق إلى رفح وغزة والقدس، ربط مصر بشبكة قطارات الشام وتركيا حتى عام 1948.
عصر الملكية والثورة
في عام 1933، افتتح الملك فؤاد الأول متحف السكك الحديدية بالقاهرة، ليكون أول متحف من نوعه في الشرق الأوسط وأفريقيا. ضم المتحف قطار الخديو إسماعيل الفاخر المصنوع عام 1862. خلال هذه الفترة، أدخلت قطارات الديزل الحديثة لتقليل الاعتماد على الفحم.
بعد ثورة 23 يوليو 1952، تحول المرفق إلى الهيئة القومية لسكك حديد مصر عام 1956. بحلول عام 1962، تحولت الخطوط الرئيسية بالكامل إلى الديزل، واستوردت قاطرات من جنرال إلكتريك وهنشل. تأسست الشركة العامة لإنشاء معدات سكك الحديد عام 1955 لبدء التصنيع المحلي.
تضررت الشبكة في حرب يونيو 1967، ودمر خط القنطرة – رفح. بعد انتصار أكتوبر 1973، أعيد تشغيل خطوط السويس وبورسعيد والإسماعيلية عام 1974، وشهدت تحديثًا لأسطول القاطرات.
تحديات وتحديث شامل
في الثمانينيات والتسعينيات، واجهت الهيئة تحديات بسبب النمو السكاني وضغط التشغيل، حيث تجاوز عدد الركاب مليون راكب يوميًا. أدى ذلك إلى تقادم البنية التحتية، ونقص الصيانة، وحوادث مفجعة مثل حادثة قطار العياط عام 2002 وحادثة قليوب عام 2006.
مع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي، وضعت الحكومة ملف النقل والسكك الحديدية ضمن أولويات رؤية مصر 2030. رُصدت ميزانيات ضخمة لتحديث رباعي الأبعاد يشمل البنية التحتية، الإشارات، الوحدات المتحركة، والعنصر البشري. شمل التحديث:.
- أسطول القاطرات: صفقة لتوريد 1300 عربة ركاب جديدة من تحالف روسي-مجري، و260 جرارًا حديثًا من جنرال إلكتريك.
- الإشارات: تحويل الأنظمة اليدوية إلى إلكترونية حديثة بالتعاون مع سيمنس وتاليس.
- المحطات: تشييد محطة قطارات صعيد مصر الذكية في بشتيل بالجيزة، بتصميم فرعوني.
شبكة القطار الكهربائي السريع
دخلت مصر عصر الجيل الرابع من النقل الصديق للبيئة بتنفيذ شبكة القطار الكهربائي السريع بطول يتجاوز 2000 كيلومتر، بالتعاون مع سيمنس الألمانية. تتكون الشبكة من ثلاثة خطوط رئيسية:.
- الخط الأخضر: يربط العين السخنة بالإسكندرية والعلمين ومطروح بطول 660 كم.
- الخط الأزرق: يمتد من القاهرة (أكتوبر) إلى أسوان وأبو سمبل بطول 1100 كم.
- الخط الأحمر: يربط قنا بالغردقة وسفاجا.
تصل سرعات هذه القطارات إلى 230 كم/ساعة، مما يختصر زمن الرحلات ويسهم في خلق مجتمعات عمرانية وصناعية جديدة.
متحف السكك الحديدية: ذاكرة الأمة
يقع متحف السكك الحديدية بمنتصف رصيف رقم 1 بمحطة مصر. افتتحه الملك فؤاد الأول في 26 أكتوبر 1933. يضم المتحف أكثر من 700 قطعة ومجسم، منها نماذج لوسائل النقل القديمة، قطارات ملكية فاخرة مثل قطار الخديو إسماعيل (1862) وقطار الملك فاروق الأول (1951)، ونماذج تفاعلية لقاطرات البخار والديزل.
كما يعرض مجسمات لمحطات وجسور تاريخية مثل كوبري إمبابة، وتطور نظم الإشارات والاتصالات، ووثائق وخرائط نادرة. يضم المتحف قسمًا حديثًا يعرض مشروعات الجمهورية الجديدة مثل القطار الكهربائي السريع والمونوريل وقطارات تالجو ومحطة بشتيل.
المتحف مفتوح يوميًا من 9 صباحًا حتى 3 عصرًا، ما عدا العطلات الرسمية. سعر التذكرة 10 جنيهات للجمهور و5 جنيهات للطلاب. التصوير بالموبايل مجانًا، والكاميرا الاحترافية بـ 20 جنيهًا. احتفالًا بمرور 176 عامًا على تأسيسها، أعلنت الهيئة عن فتح المتحف مجانًا للجمهور في الفترة من 11 إلى 16 يوليو.

