تُعد برك درب زبيدة التاريخية شاهدًا على عبقرية هندسية فريدة، حيث صُممت بعمق متدرج لتأمين المياه للحجاج والمسافرين عبر القرون. هذا التصميم المبتكر لم يسهل الوصول إلى الماء فحسب، بل حمى البرك من اندفاع السيول، ورفع كفاءة تنقية المياه، وعزز متانتها الإنشائية بشكل مذهل، ما ضمن استمراريتها لقرون طويلة.

يضم درب زبيدة أكثر من 50 بركة وحوضًا مائيًا ضخمًا، شُيدت بدقة لتلبية احتياجات قوافل الحج على امتداد طريق يبلغ طوله أكثر من 1400 كيلومتر. يمر هذا الدرب بـ 27 محطة رئيسية وعدد مماثل من المحطات الثانوية، بدءًا من الكوفة جنوب العراق، مرورًا بمناطق شمال المملكة مثل رفحاء وحائل والقصيم، وصولًا إلى مكة المكرمة، مشكلاً منظومة مائية متكاملة لضيوف الرحمن.

الباحث والمرشد السياحي خلف الغفيلي أوضح لوكالة الأنباء السعودية (واس) أن برك درب زبيدة تتجاوز كونها مجرد أحواض مياه. هي حلول ذكية سبقت عصرها في إدارة الموارد المائية وخدمة المسافرين. أضاف الغفيلي أن التصميم المدرج أتاح الوصول الآمن للمياه بغض النظر عن مستوى الامتلاء، وساهم في تهدئة قوة السيول وحماية الجدران والقواعد من التآكل أو الانهيار.

اعتمدت هذه المنشآت نظامًا دقيقًا لتنقية المياه. تبدأ العملية بمرور مياه الأمطار والسيول عبر أحواض صغيرة تُعرف بـ”المصافي” أو “البرك التحضيرية”. هنا، تترسب الأتربة والحصى والشوائب قبل أن تنتقل المياه الأنقى إلى البركة الرئيسية. الغفيلي أشار إلى أن التدرج الداخلي لم يكن مجرد حل وظيفي، بل كان عنصرًا إنشائيًا محوريًا وزع ضغط المياه والتربة على مستويات متعددة، وهو ما عزز صمود هذه المنشآت وبقاءها عبر العصور.