أكد إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور بندر بن عبدالعزيز بليلة أن الحج مدرسة إيمانية وتربوية يتعلم فيها المسلم القيم السامية والأخلاق الفاضلة، مشيرًا إلى أن العبادة رحلة عمر لا تنتهي إلا بانقضاء الأجل، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام بعنوان «دروس الحج»، إن حجاج بيت الله الحرام شارفوا على إنهاء مناسكهم، وإن كثيرًا منهم سيعودون إلى أوطانهم بعد أن نهلوا من العبر والدروس في تلك المشاهد العظيمة، داعيًا إلى اغتنام ما تبقى من الأيام المباركة بالإكثار من الذكر والتهليل والتكبير والدعاء.

التوحيد في قلب المناسك

وأوضح بليلة أن من أعظم ما يستفيده المسلم من الحج تحقيق التوحيد لله تعالى وإخلاص العبادة له والبراءة من الشرك وأهله. ولفت إلى أن شعيرة التلبية تجسد معاني الانقياد لله تعالى، حين يردد الحاج: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».

وأضاف أن الحاج يلهج يوم عرفة بقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».

وحذر من مظاهر التعلق بغير الله تعالى أو صرف شيء من أنواع العبادة لغيره، مؤكدًا أن النفع والضر بيد الله وحده، واستشهد بقوله سبحانه: ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ…﴾.

ما تبقى من أعمال الحج

وبيّن خطيب المسجد الحرام أن من أعمال الحج المتبقية رمي الجمار في أيام التشريق، موضحًا أن من تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ…﴾.

وأكد أن طواف الوداع واجب على من أراد مغادرة مكة المكرمة بعد الفراغ من المناسك، مستشهدًا بحديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ».

ودعا الله تعالى أن يتقبل من الحجاج حجهم، وأن يعيدهم إلى أوطانهم سالمين غانمين، وأن يحفظ المملكة وولاة أمرها، ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار.

خطبة المسجد النبوي

وفي المدينة المنورة، أوصى إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالمحسن القاسم المسلمين بتقوى الله تعالى ومراقبته في السر والعلن، مبينًا أن الله سبحانه شرع لعباده عبادات متنوعة، منها ما يكون في القلب ومنها ما يظهر على الجوارح، وكلها تدور حول تحقيق معاني الإسلام والإيمان وترسيخ العبودية الخالصة لله تعالى.

وأوضح أن شعيرة الحج تعد من أعظم العبادات البدنية وأدقها أحكامًا، لما تحمله من معاني الطاعة والامتثال، مشيرًا إلى أنها تجسد عظمة الإسلام في توحيد المسلمين واجتماعهم على كلمة واحدة؛ إذ يقصدون ربًا واحدًا ويتبعون نبيًا واحدًا ويقرؤون كتابًا واحدًا.

وبيّن أن الحجاج يجسدون معاني الإخلاص والتجرد لله تعالى بترك مظاهر الدنيا وارتداء الإحرام وأداء المناسك بخشوع وامتثال، معلنين افتقارهم إلى الله وخضوعهم له في الوقوف بعرفة وسائر المناسك.

دوام هدي النبوة

وأكد القاسم أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله تعالى رغم تعاقب الأزمنة وتقلب الأحوال، موضحًا أن المسلمين لا يزالون يؤدون مناسكهم كما أداها النبي صلى الله عليه وسلم، ويلبسون ما لبسه ويطوفون ويرمون كما فعل.

وتناول ما تحمله سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من معاني الصبر والوفاء في تبليغ الرسالة، وما لقيه من الأذى في سبيل الدعوة، وما قدمه الصحابة رضي الله عنهم من هجرة وتضحيات لنشر الإسلام.

ودعا المسلمين إلى شكر الله تعالى على ما يسره من الطاعات والعبادات، مشيرًا إلى أن من علامات قبول العمل الصالح أن يوفق العبد إلى طاعة بعدها، واستشهد بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ).

الابتعاد عن العجب والتفاخر

وحثّ المسلمين على حفظ أعمالهم الصالحة وصيانتها والإكثار من سؤال الله تعالى القبول، والابتعاد عن العجب والتفاخر بالطاعات، محذرًا من خطورة الشرك لما يترتب عليه من إحباط الأعمال، مستشهدًا بقوله تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ).

واختتم خطبته بالتأكيد على أن العبادة لا تنقطع بانتهاء الحج أو غيره من المواسم، داعيًا المسلم إلى المسارعة في الخيرات والمداومة على الطاعات طلبًا لرحمة الله ومغفرته ورضوانه.